الشيخ محمد رشيد رضا

84

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كالآيات الدالة على صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في كل ما اخبر به من نصر اللّه له ولمن اتبعه ، وخذلان أعدائه من الكفار والمنافقين ووقوع ما انذرهم ، ومن إنباء اللّه رسوله بما في قلوبهم ، وفضيحتهم بما يسرون من اعمالهم ، كما فصل في هذه السورة وذكر بعضه في غيرها - وقرأ حمزة ويعقوب ( ا ولا ترون ) على أن الخطاب للمؤمنين الذين قد يروعهم الخبر المؤكد وقوعه بموتهم على كفرهم ، كأنه يقول أتعجبون من الحكم عليهم بهذه العاقبة السوءى ولا ترون الدلائل الدالة عليها من فتنتهم وابتلائهم المرة بعد المرة سنة بعد سنة ، بما من شأنه ان يذهب بشكهم ويشفي مرض قلوبهم ، من آيات اللّه فيهم وفي غيرهم ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ أي ثم تمرّ الأعوام على ذلك ولا يتوبون من نفاقهم ، ولا يتعظون بما حلّ بهم مما أنذرهم اللّه تعالى به ، وهل بعد هذا من برهان على انطفاء نور الفطرة والاستعداد الايمان أقوى من هذا ؟ ان كان وراءه برهان أقوى منه فهو أنهم يفرون من العلاج الذي من شأنه أن يشفيهم من مرض قلوبهم وهو ما أكد به ما قبله بقوله : * * * وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هذا بيان لحال المنافقين الذين كانوا يكونون في مجلس الرسول ( ص ) عند نزول سورة وما يكون من فعلهم وقولهم عند تلاوته لها ، وما قبلها في بيان حالهم إذا بلغهم نزول سورة من حيث البحث عن تأثيرها ، وقد يقال إن الأولى تشمل من سمع منه ومن بلغ عنه ، والعبرة بموضوعها ، لا بطريقة العلم بها ، وان هذه أدل على رسوخهم في الكفر وعدم الطمع في رجوعهم عنه ، باثباتها انهم يكرهون سماع القرآن من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أشد تأثيرا من سماعه من غيره في الهداية ، ولذلك كان المشركون يمنعونه من تلاوته على الناس لئلا يهتدوا بسماعه منه ، فإن لم يتمكنوا من اسكاته اعرضوا عن سماعه ولغوا فيه . ومنعوا صاحبه الصديق أيضا من الصلاة في المسجد الحرام ثم من مسجده الخاص لما رأوا النساء والصبيان يجتمعون لسماع القرآن منه ويتأثرون بخشوعه فيه : يقول : وإذا أنزلت سورة وهم في المجلس تسارقوا النظر ، وتغامزوا بالعيون ، على حين تخشع ابصار المؤمنين ، وتنحني رؤوسهم ، وتجب